فخر الدين الرازي
676
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عليه السلام : « بلغوا عني ، بلغوا عني » فلم قال هاهنا : بَلاغاً مِنَ اللَّهِ ؟ قلنا : ( من ) ليست ( بصفة للتبليغ ) « 1 » إنما هي بمنزلة ( من ) في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ [ التوبة : 1 ] بمعنى بلاغا كائنا من اللّه . أما قوله تعالى : وَرِسالاتِهِ فهو عطف على بَلاغاً كأنه قال : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ، والمعنى إلا أن أبلغ عن اللّه فأقول : قال اللّه كذا ناسبا القول إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان . قوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ قال الواحدي إن مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ولذلك حمل سيبويه قوله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [ المائدة : 95 ] وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ [ البقرة : 126 ] فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ [ الجن : 13 ] على أن المبتدأ فيها مضمر وقال صاحب « الكشاف » وقرئ : فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ على تقدير فجزاؤه أن له نار جهنم كقولك : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : 41 ] أي فحكمه أن للّه خمسه . ثم قال تعالى : خالِدِينَ فِيها أَبَداً حملا على معنى الجمع في ( من ) وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة مخلدون في النار وأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار ، قالوا : وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها ، قالوا : وهذا العموم أقوى في الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر العمومات ما جاء فيها قوله : أَبَداً فالمخالف يحمل الخلود على المكث الطويل ، أما هاهنا [ فقد ] جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحا في إسقاط الاحتمال الذي ذكره المخالف والجواب : أنا بينا في سورة البقرة وجوه الأجوبة على التمسك بهذه العمومات ، ونزيد هاهنا وجوها أحدها : أن تخصيص / العموم بالواقعة التي لأجلها ورد ذلك العموم عرف مشهور ، فإن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار ساعة فقال الزوج إن خرجت فأنت طالق يفيد ذلك اليمين بتلك الساعة المعينة حتى إنها لو خرجت في يوم آخر لم تطلق ، فههنا أجرى الحديث في التبليغ عن اللّه تعالى ، ثم قال : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني جبريل : فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ أي من يعص اللّه في تبليغ رسالاته وأداء وحيه فإن له نار جهنم ، وإذا كان ما ذكرنا محتملا سقط وجه الاستدلال الوجه الثاني : وهو أن هذا الوعيد لا بد وأن يتناول هذه الصورة لأن من القبيح أن يذكر عقيب هذه الواقعة حكما لا تعلق له بها ، فيكون هذا الوعيد وعيدا على ترك التبليغ من اللّه ، ولا شك أن ترك التبليغ من اللّه أعظم الذنوب ، والعقوبة المترتبة على أعظم الذنوب ، لا يجوز أن تكون مرتبة على جميع الذنوب ، لأن الذنوب المتفاوتة في الصغر والكبر لا يجوز أن تكون متساوية في العقوبة ، وإذا ثبت أن هذه العقوبة على هذا الذنب ، وثبت أن ما كان عقوبة على هذا الذنب لا يجوز أن يكون عقوبة على سائر الذنوب ، علمنا أن هذا الحكم مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى سائر الذنوب الوجه الثالث : وهو أنه تعالى ذكر عمومات الوعيد في سائر آيات القرآن غير مقيدة بقيد الأبد ، وذكرها هاهنا مقيدة بقيد الأبد ، فلا بد في هذا التخصيص من سبب ، ولا سبب إلا أن هذا الذنب أعظم الذنوب ، وإذا كان السبب في هذا التخصيص هذا المعنى ، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى جميع الذنوب ، وإذا ثبت أن هذا الوعيد مختص بفاعل هذا الذنب ، صارت الآية دالة على أن حال سائر المذنبين بخلاف ذلك لأن قوله : فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً معناه أن هذه الحالة له لا لغيره ، وهذا كقوله : لَكُمْ دِينَكُمْ *
--> ( 1 ) في الكشاف ( بصلة للتبليغ ) 4 / 172 ط . دار الفكر .